فخر الدين الرازي

285

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم اللّه تعالى من هدايته ، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة ، على سبيل التأبيد والخلود . واعلم أن لعنة اللّه ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم / فصح أن يكون جزاء لذلك وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه ؟ . قلنا : فيه وجوه الأول : قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني : أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [ الأعراف : 38 ] وقال : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث : كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال : أَجْمَعِينَ الرابع : وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم اللّه كافرا ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك . السؤال الثاني : قوله خالِدِينَ فِيها أي خالدين في اللعنة ، فما خلود اللعنة ؟ . قلنا : فيه وجهان الأول : أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني : أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى : مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً * خالِدِينَ فِيهِ [ طه : 100 ، 101 ] الثالث : قال ابن عباس قوله خالِدِينَ فِيها أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور ، واعلم أن قوله خالِدِينَ فِيها نصب على الحال مما قبله ، وهو قوله تعالى : عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ . ثم قال : لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ معنى الانظار التأخير قال تعالى : فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [ البقرة : 280 ] فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين : إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، نعوذ منه باللّه . ثم قال : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ والمعنى إلا الذين تابوا منه ، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال : وَأَصْلَحُوا أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات ، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها . ثم قال : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفيه وجهان الأول : غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني : غفور بإزالة العقاب ، رحيم بإعطاء الثواب ، ونظيره قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] ودخلت الفاء في قوله فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لأنه الجزاء ، وتقدير الكلام : إن تابوا فإن اللّه يغفر لهم . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 90 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) وفي الآية مسألتان :